الحلبي
566
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الدنو والتدلي الواقعين من اللّه سبحانه وتعالى ، كمعنى النزول منه في « ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير » وهو أي ذلك كعند أهل الحقائق من مقام التنزل ؛ بمعنى أنه تعالى يتلطف بعباده ويتنزل في خطابه لهم ، فيطلق على نفسه ما يطلقونه على أنفسهم فهو في حقهم حقيقة ، وفي حقه تعالى مجاز . ورأيت بعضهم ذكر أن فاعل دنا جبريل ، وفاعل تدلى محمد صلى اللّه عليه وسلم : أي سجد لربه سبحانه وتعالى شكرا على ما أعطي من الزلفى . ورأيت بعضا آخر ذكر أن فاعل تدلى الرفرف ، وفاعل دنا محمد صلى اللّه عليه وسلم : أي تدلى الرفرف لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حتى جلس عليه ، ثم دنا محمد صلى اللّه عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى : أي قرب قرب منزلة وتشريف لا قرب مكان ، تعالى اللّه عز وجل عن ذلك . قال صلى اللّه عليه وسلم « وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه عز وجل ، فوضع يده عز وجل بين كتفيّ بلا تكييف ولا تحديد » أي يد قدرته تعالى ، لأنه سبحانه منزه عن الجارحة « فوجدت بردها ، فأورثني علم الأولين والآخرين ، وعلمني علوما شتى ، فعلم أخذ عليّ كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيري . وعلم خيرني فيه . وعلم أمرني بتبليغه إلى العامّ والخاص من أمتي ، وهي الإنس والجن » أي وكذلك الملائكة على ما تقدم . أقول : هذا التفصيل يدل على أن العلوم الشتى هي هذه العلوم الثلاثة ، إلا أن يقال كل علم من هذه الثلاثة يشتمل على أنواع من العلوم ، واللّه أعلم . قال صلى اللّه عليه وسلم « ثم قلت : اللهم إنه لما لحقني استيحاش سمعت مناديا ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر ، فقال لي قف فإن ربك يصلي ، فعجبت من هاتين هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام ، وإن ربي لغنيّ أن يصلي ! فقال تعالى : أنا الغني عن أن أصلي لأحد وإنما أقول سبحاني سبحاني سبقت رحمتي غضبي ، اقرأ يا محمد هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) [ الأحزاب : الآية 43 ] فصلاتي رحمة لك ولأمتك ، وأما أمر صاحبك يا محمد فإن أخاك موسى كان أنسه بالعصا ، فلما أردنا كلامه قلنا وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ [ طه : الآية 17 - 18 ] وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة ، وكذلك أنت يا محمد لما كان أنسك بصاحبك أبي بكر خلقنا ملكا على صورته ينادي بلغته ليزول عنك الاستيحاش لما يلحقك من عظم الهيبة » . أقول : لعل المراد خلقنا صورة على صورة صوته ، لأنه ليس في الرواية أنه رأى ذلك الملك على صورة أبي بكر ، وإنما سمع صوته واللّه أعلم .